سعيد عطية علي مطاوع

216

الاعجاز القصصي في القرآن

- وتوزيع القصة الواحدة في عدة سور من القرآن الكريم كان من دوافعه التناسق المعنوي والنفسي بين القصص التي يعرضها القرآن والسياق الذي يعرضها فيه ، وانسجام عرضها في هذا السياق مع الغرض الديني والمظهر الفني سواء بسواء 31 . - فاللّه سبحانه وتعالى ذكر قصة قوم نوح ، وهود ، وصالح ، وشعيب ، ولوط ، وموسى في سورة ( الأعراف ، وهود ، والشعراء ) ولم يذكر معهم قصة إبراهيم ، وإنما ذكرها في سورة ( الأنبياء ، ومريم ، والعنكبوت ، والصافات ) . والسرّ في ذلك أن تلك السور الأولي ذكر اللّه فيها نصر رسله بإهلاك قومهم ، ونجاة الرسل وأتباعهم . وهذه السور لم يقتصر فيها علي ذكر من أهلك من الأمم ، بل كان المقصود ذكر الأنبياء ، وإن لم يذكر قومهم ، ولهذا سميت سورة الأنبياء ، فذكر فيها إكرامه للأنبياء ، وبدأ فيها بقصة إبراهيم ، إذ كان المقصود ذكر كرامته الأنبياء قبل " محمد " ، و " إبراهيم " أكرمهم اللّه ، وهو خير البرية ، وهو أب أكثرهم ، وليس هو أب نوح ولوط ، ولكن لوط من أتباعه ، وأيوب من ذريته ، بدليل قوله تعالى في سورة الأنعام : " وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ " ( الأنعام : 84 ) . وأما سورة ( العنكبوت ) ، فأنّه سبحانه وتعالى ذكر فيها امتحانه للمؤمنين ، ونصره لهم ، وحاجتهم إلى الجهاد ، وذكر فيها حسن العاقبة لمن صبر ، وعاقبة من كذّب الرسل ، فذكر قصة إبراهيم ، لأنها من النمط الأول . وكذلك في سورة الصافات قال فيها : " وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ " ( الصافات : 73 ، 72 ، 71 ) ، وهذا يقتضي أنها عاقبة رديئة ، إما بكونهم غلبوا وذلوا ، وإما بكونهم أهلكوا ولهذا ذكر قصة " إلياس " دون غيرها ، ولم يذكر إهلاك قومه ، بل قال " فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ " ( سورة الصافات : 127 ) . وقد روي اللّه رفع " إلياس " ، وهذا يقتضي عذابهم في الآخرة ، فإن " إلياس " لم يقم بينهم ، و " إلياس " المعروف بعد " موسى " من بني إسرائيل ، وبعد " موسى " لم يهلك المكذبين بعذاب الاستئصال ، وبعد "